علي بن أحمد المهائمي
17
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
فقد روى أقضى القضاة ، مفيد الحاضر والبادي ، مجد الدين الفيروزآبادي رضي اللّه عنه بإسناده المتصل إلى خادم الشيخ عز الدين بن عبد السلام رضي اللّه عنه قال : كنا بمجلس الدرس بين يدي الشيخ عز الدين ، فجاء في باب الردة ذكر لفظة الزنديق ، فقال بعض الحاضرين : هل هي عربية أم عجمية ؟ فقال بعض : إنما هي فارسية معربة أصلها ( زن دين ) أي : دين المراءاة . قلت : هذا لا يصح ؛ لأن لفظة ( زن ) فارسية ، ولفظة ( دين ) عربية ، فكيف يصح ما ذكره ذلك الفاضل ؟ وإنما الشأن فيها أن المجوس لهم كتاب اسمه « زند » ، وهذه اللفظة تفسيرها موقوف على الواضع لها ، لم يعرف معناها ، وذلك الكتاب أخرجه لهم [ زردشت ] ، وادّعى أنه من اللّه تعالى ، وتلك الدعوى باطلة بالإجماع بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « نزّلهم منزلة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم » « 1 » أي : المجوس . فالحاصل أن من اتبع ذلك الكتاب سمي زندي ، فزادت العرب في آخرها قافا فقالوا : زنديق ؛ فهذا سبب تعريبها . نرجع إلى كلام ذلك الفاضل ( زن دين ) أي : دين المراءاة ، فعربت فقيل : زنديق ، وهو الذي يظهر الإيمان ويخفي الكفر . قلت : وهذا أيضا لا يصح ؛ لأن من يظهر الإيمان ويخفي الكفر لا يسمى زنديقا وإنما يسمى منافقا ؛ لأنه مشتق من النفق ، وهو باب بيت اليربوع ، فإن له بابين أحدهما نافقاء ، والآخر قاصعاء ، فإذا طلب من نافقاء خرج إلى قاصعاء ، وإذا طلب من قاصعاء خرج إلى نافقاء ، فكذلك المنافق إذا طلب منه الكفر خرج من الإيمان ، وإذا طلب منه الإيمان خرج من الكفر . وأما الزنديق فهو الذي يقول بالنور والظلمة ، وذلك مذهب الثنوية ، وهم الذين يقولون بيزدان واهرمن . فلما قال ذلك الفاضل ما قال ، قال بعض الحاضرين : مثل من ؟ فقال رجل كان جالسا إلى جانب الشيخ عز الدين : مثل ابن العربي بدمشق ، فلم ينطق الشيخ عز الدين رضي اللّه عنه ، ولم يرد عليه . قال الخادم : وكنت صائما في ذلك اليوم ، وكان الشيخ عز الدين أيضا صائما ، فاتفق أن دعاني للإفطار معه ، فحضرت ووجدت منه إقبالا ولطفا ، فقلت : يا سيدي ، هل تعرف الغوث القطب الفرد الجامع في الوقت هذا ؟ فقال رضي اللّه عنه : ما لك ولهذا ، كل ، فعرفت أنه يعرفه ، فتركت الأكل ، وقلت : لوجه اللّه
--> ( 1 ) رواه عبد الرزاق في « مصنفه » ( 6 / 72 ) بنحوه .